فصل: تفسير الآية رقم (154):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم التنزيل المشهور بـ «تفسير البغوي»



.تفسير الآية رقم (145):

{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145)}
{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ} قال الأخفش: اللام في {لِنَفْسٍ} منقولة تقديره: وما كانت نفس لتموت، {إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ} بقضاء الله وقدره، وقيل: بعلمه وقيل: بأمره، {كِتَابًا مُؤَجَّلا} أي: كتَبَ لكل نفس أجلا لا يقدر أحدٌ على تغييره وتأخيره، ونصب الكتاب على المصدر، أي: كتب كتابًا، {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} يعني: من يرد بطاعته الدنيا ويعمل لها نؤته منها ما يكون جزاء لعمله، يريد نؤته منها ما نشاء بما قدرناه له كما قال: {من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نُريد} [سورة الإسراء- 18] نزلت في الذين تركوا المركز يوم أُحد طلبا للغنيمة، {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي أراد بعمله الآخرة، قيل: أراد الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى قتلوا. {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} أي: المؤمنين المطيعين.
أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن موسى بن الصلت أنا أبو إسحاق إبراهيم عبد الصمد الهاشمي، أنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد بن عبد الرحمن بن المقرئ، أنا أبي، أنا الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقرَ بين عينيه وشتت عليه أمره ولا يأتيه منها إلا ما كتب له».
أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن محمد بن علي بن توبة الزرّاد، أخبرنا أبو بكر محمد بن إدريس بن محمد الجرجاني، وأبو أحمد محمد بن أحمد المعلم الهروي، قالا أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى الماليني، أخبرنا أبو العباس الحسن بن سفيان النسوي، أخبرنا حيان بن موسى وعبد الله بن أسماء ابن أخي جويرية بن أسماء، قال أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى فمن كانتْ هجرتُه إلى الله ورسولهِ فهجرتهُ إلى الله ورسوله ومن كانتْ هجرتهُ إلى دنيا يُصيبها أو امرأة يتزوّجها فهجرتهُ إلى ما هاجر إليه».

.تفسير الآية رقم (146):

{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)}
قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَه رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} قرأ ابن كثير {وكائن} بالمد والهمزة على وزن فاعل وتليين الهمزة أبو جعفر، وقرأ الآخرون {وكأيّن} بالهمز والتشديد على وزن كعين، ومعناه: وكم، وهي كاف التشبيه ضُمت إلى أي الاستفهامية، ولم يقع للتنوين صورةٌ في الخط إلا في هذا الحرف خاصة ويقف بعض القراء على وكأيّ بلا نون والأكثرون على الوقوف بالنون قوله: {قَاتَل} قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة بضم القاف وقرأ الآخرون {قَاتَل} فمن قرأ {قَاتَل} فلقوله: {فَمَا وَهَنُوا} ويستحيل وصفهم بأنهم لم يهنوا بعدما قتلوا لقول سعيد بن جبير: ما سمعنا أن نبيا قتل في القتال ولأنّ {قَاتَل} أعم.
قال أبو عبيد: إن الله تعالى إذا حمد من قاتل كان من قُتل داخلا فيه، وإذا حمد من قتل لم يدخل فيه غيرهم، فكان {قَاتَل} أعم.
ومن قرأ {قتل} فله ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون القتل راجعا إلى النبي وحده، فيكون تمام الكلام عند قوله: {قتل} ويكون في الآية إضمار معناه: ومعه ربيون كثير، كما يقال: قتل فلان معه جيشٌ كثير أي: ومعه.
والوجه الثاني: أن يكون القتل نال النبي ومن معه من الربيين ويكون المراد: بعض من معه، تقول العرب قتلنا بني فلان وإنما قتلوا بعضهم ويكون قوله: {فَمَا وَهَنُوا} راجعًا إلى الباقين.
والوجه الثالث: أن يكون القتل للربيين لا غير.
وقوله: {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: جموع كثيرة، وقال ابن مسعود: الربيون الألوف، وقال الكلبي الرَّبِّية الواحدة: عشرة آلاف، وقال الضحاك: الربية الواحدة: ألف، وقال الحسن: فقهاء علماء وقيل: هم الأتباع والربانيون الولاة، والربيون الرعية، وقيل: منسوب إلى الرب وهم الذين يعبدون الرب، {فَمَا وَهَنُوا} أي: فما جَبُنُوا، {لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا} عن الجهاد بما نالهم من ألم الجراح وقَتْل الأصحاب. {وَمَا اسْتَكَانُوا} قال مقاتل: وما استسلموا وما خضعوا لعدوهم وقال السدي: وما ذلوأ قال عطاء وما تضرعوا وقال أبو العالية: وما جبنوا ولكنهم صبروا على أمر رَبهّم وطاعة نبيهم وجهاد عدوهم، {وَاللَّه يُحِبّ الصَّابِرِينَ}.

.تفسير الآيات (147- 148):

{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)}
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ} نصب على خبر كان والاسم في أن قالوا، ومعناه: وما كان قولهم عند قتل نبيهم، {إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} أي: الصغائر، {وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} أي: الكبائر، {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} كي لا تزول، {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} يقول فهلا فعلتم وقلتم مثل ذلك يا أصحاب محمد.
{فَآتَاهُم اللَّه ثَوَابَ الدُّنْيَا} النصرة والغنيمة، {وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ} الأجر والجنة، {وَاللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ}.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا} يعني: اليهود والنصارى وقال علي رضي الله عنه يعني: المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم.
{يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} يُرجعوكم إلى أول أمركم الشرك بالله، {فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} مغبونين.
ثم قال: {بَلِ اللَّه مَوْلاكُمْ} ناصُركم وحافظكُم على دينكم، {وَهُوَ خَيْر النَّاصِرِينَ}.

.تفسير الآيات (149- 152):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)}
{سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} وذلك أن أبا سفيان والمشركين لمّا ارتحلوا يوم أُحد متوجهين نحو مكة انطلقوا حتى إذا بلغوا بعض الطريق ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاسْتَأْصِلُوهم فلمّا عزموا على ذلك قذف الله في قلوبهم الرُّعب حتى رجعوا عما همُّوا به.
سنلقي أي: سنقذف في قلوب الذين كفروا الرعب الخوف وقرأ أبو جعفر وابن عامر والكسائي ويعقوب {الرُّعُبَ} بضم العين وقرأ الآخرون بسكونها، {بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِمَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} حُجةً وبُرهانًا، {وَمَأْوَاهُم النَّار وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} مقام الكافرين.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُم اللَّه وَعْدَهُ} قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة من أُحد وقد أصابهم ما أصابهم، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا؟ وقد وعدنا الله النصر فأنزل الله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُم اللَّه وَعْدَهُ} بالنصر والظفر وذلك أن النصر والظفر كان للمسلمين في الابتداء، {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أُحدًا خلف ظهره واستقبل المدينة وجعل عينين، وهو جبل عن يساره وأقام عليه الرماة وأمّر عليهم عبد الله بن جُبير وقال لهم: احموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد غَنِمْنَا فلا تشركونا وإن رأيتمونا نُقتل فلا تَنْصرونا، وأقبل المشركون فأخذوا في القتال فجعل الرماة يرشقون خيل المشركين بالنبل والمسلمون يضربونهم بالسيوف، حتى ولّوا هاربين فذلك قوله تعالى: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} أي تقتلونهم قتلا ذريعا بقضاء الله.
قال أبو عبيدة: الحسُّ: هو الاستئصال بالقتل.
{حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ} أي: إن جبنتُم وقيل: معناه فلما فشلتم، {وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ} والواو زائدة في {وَتَنَازَعْتُم} يعني: حتى إذا فشلتم تنازعتم، وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: حتى إذا تنازعتم في الأمر وعصيتم فشلْتُم ومعنى التنازع الاختلاف.
وكان اختلافهم أن الرماة اختلفوا حين انهزم المشركون فقال بعضهم: انهزم القوم فما مقامنا؟ وأقبلوا على الغنيمة وقال بعضهم: لا تجاوزوا أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت عبد الله بن جُبير في نفر يسير دون العشرة.
فلما رأى خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ذلك حملوا على الرماة فقتلوا عبد الله بن جبير وأصحابه، وأقبلوا على المسلمين وحالت الريح فصارت دَبُوَرًا بعد ما كانت صبَا وانتقضت صفوف المسلمين واختلطوا فجعلوا يقتلون على غير شعار يضرب بعضهم بعضا ما يشعرون من الدهش، ونادى إبليس أن محمدًا قد قُتل وكان ذلك سبب الهزيمة للمسلمين.
قوله تعالى: {وَعَصَيْتُمْ} يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم وخالفتمُ أمره، {مِنْ بَعْدِمَا أَرَاكُمْ} الله {مَا تُحِبُّونَ} يا معشر المسلمين من الظفر والغنيمة، {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيد الدُّنْيَا} يعني: الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب، {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيد الآخِرَةَ} يعني: الذين ثبتوا مع عبد الله بن جُبير حتى قُتلوا قال عبد الله بن مسعود: ما شعرت أن أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان يوم أُحد ونزلت هذه الآية {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} أي: ردّكم عنهم بالهزيمة، {لِيَبْتَلِيَكُم} ليمتحنكم وقيل: لُينزل البلاء عليكم {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، {وَاللَّه ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}.

.تفسير الآية رقم (153):

{إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)}
{إِذْ تُصْعِدُونَ} يعني: ولقد عفا عنكم إذ تُصْعِدُون هاربين، وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلمي والحسن وقتادة {تُصْعِدُونَ} بفتح التاء والعين والقراءة المعروفة بضم التاء وكسر العين.
والإصعاد: السيرُ في مستوى الأرض والصُّعود: الارتفاع على الجبال والسطوح، قال أبو حاتم: يقال أصعدتَ إذا مضيتَ حيالَ وجهك وصعدتَ إذا ارتقيتَ في جبل أو غيره، وقال المبرد: أصعد إذا أبعد في الذهاب، وكلتا القراءتين صواب فقد كان يومئذ من المنهزمين مصعد وصاعد وقال المفضل: صعد وأصعد وصعَّد بمعنى واحد.
{وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَد} أي: لا تعرجون ولا تقيمون على أحد ولا يلتفت بعضكم إلى بعض، {وَالرَّسُول يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} أي: في آخركم ومن ورائكم إليّ عبادَ الله فأنا رسول الله من يكرُّ فله الجنة، {فَأَثَابَكُمْ} فجازاكم جعل الإثابة بمعنى العقاب، وأصلها في الحسنات لأنه وضعها موضع الثواب كقوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} جعل البشارة في العذاب ومعناه: جعل مكان الثواب الذي كنتم ترجون {غمًّا بغم} وقيل: الباء بمعنى على أي: غمًا على غمٍّ وقيل: غمَّا متصلا بغمٍّ فالغمُّ الأول: ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والغمُّ الثاني: ما نالهم من القتل والهزيمة.
وقيل: الغم الأولُّ ما أصابهم من القتل والجراح، والغم الثاني: ما سمعوا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد قتل فأنساهم الغمَّ الأول.
وقيل: الغم الأول: إشراف خالد بن الوليد عليهم بخيل المشركين، والغم الثاني: حين أشرف عليهم أبو سفيان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهمًا في قوسه وأراد أن يرميه، فقال أنا رسول الله ففرحوا حين وجدوأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قُتلوا فأقبل أبو سفيان وأصحابه حتى وقفوا بباب الشعب، فلما نظر المسلمون إليهم أهمّهمْ ذلك وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم فأنساهم هذا ما نالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس لهم أن يعلونا اللّهم إن تقتل هذه العصابة لا تُعبد في الأرض، ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم.
وقيل: إنهم غمّوا الرسول بمخالفة أمره، فجازاهم الله بذلك الغمَّ غمَّ القتل والهزيمة.
قوله تعالى: {لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} من الفتح والغنيمة، {وَلا مَا أَصَابَكُمْ} أي: ولا على ما أصابكم من القتل والهزيمة، {وَاللَّه خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

.تفسير الآية رقم (154):

{ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ (154)}
{ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ} يا معشر المسلمين، {مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا} يعني: أمنًا والأمنَ الأمَنَةَ بمعنى واحد وقيل: الأمنَ يكون مع زوال سبب الخوف والأمَنَةُ مع بقاء سبب الخوف وكان سبب الخوف هنا قائما، {نُعَاسًا} بدل من الأمنة {يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ} قرأ حمزة والكسائي {تغشى} بالتاء ردًّا إلى الأمَنَةِ وقرأ الآخرون بالياء ردًّا على النعاس.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمنّهم يومئذ بنُعاس يغشاهم وإنما ينعس من يأمن، والخائف لا ينام.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن، أنا حسين بن محمد، أخبرنا شيبان عن قتادة أخبرنا أنس أن أبا طلحة قال: غشيَنَا النعاسُ ونحن في مصافنّا يوم أحد قال: فجعل سيفي يسقط من يدي فآخذه ويسقط وآخذه.
وقال ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أُحد فجعلت ما أرى أحدا من القوم إلا وهو يميل تحت جُحفتهِ من النعاس.
وقال عبد الله بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتدّ علينا الحرب، أرسل الله علينا النوم والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم، يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا فذلك قوله تعالى: {يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ} يعني: المؤمنين، {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} يعني: المنافقين: قيل: أراد الله به تمييز المنافقين من المؤمنين فأوقع النعاسَ على المؤمنين حتى أمِنُوا ولم يُوقع على المنافقين فبقوا في الخوف وقد أهمّتْهم أنفسُهم أي: حملتهم على الهمِّ يقال: أمرٌ مهمُّ.
{يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} أي: لا ينصر محمدًا، وقيل: ظنوا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد قتل، {ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} أي: كظن أهل الجاهلية والشرك، {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا} ما لنا لفظهُ استفهام ومعناه: حجدٌ، {مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيْءٍ} يعني: النصر، {قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّه لِلَّهِ} قرأ أهل البصرة برفع اللام على الابتداء وخبره في {لِلَّه} وقرأ الآخرون بالنصب على البدل وقيل: على النعت.
{يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} وذلك أن المنافقين قال بعضهم لبعض: لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمدٍ إلى قتال أهل مكة ولم يُقتل رؤساؤنا، وقيل: لو كنا على الحق ما قتلنا هاهنا.
قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: يظنون بالله غيرَ الحق ظنَّ الجاهلية يعني: التكذيب بالقدر وهو قولهم {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ} قضي، {عَلَيْهِم الْقَتْل إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} مصارعهم، {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ} وليمتحن الله، {مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ} يخرج ويظهر {مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّه عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} بما في القلوب من خير وشر.